الشيخ محمد رشيد رضا

10

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

هي العمل بما يتفق أهل الحل والعقد وأولو الشأن من علمائنا ورؤسائنا بعد المشاورة بينهم في أمر اجتهادي - على أنه هو الأصلح لنا الذي يستقيم به أمرنا . فان وقع التنازع والاختلاف وجب رده إلى اللّه ورسوله ، وتحكيم الكتاب والسنة فيه . ولا يجوز أن يتمادى المسلمون على التفرق والاختلاف بحال هذا حكم اللّه الذي أبطله التقليد بما جعل بين المسلمين وبين الكتاب والسنة واجتماع رأى أولي الأمر والشأن من الحجب حتى صار به المسلمون شيعا في أمر الدين : هذا خارجي وهذا شيعي ، وهذا كذا وهذا كذا ، وشيعا في أمر الدنيا . هذا يتبع سلطانا ويحارب لأجل هواه جماعة المسلمين ، وهذا يتبع سلطانا يعصى في طاعته نصوص الدين ، وقد أفضى الخلاف إلى غاية هي شر الغايات ، وخاتمة هي سوءى الخواتم ، وهي السكوت لكل مبتدع على بدعته ، والرضى من كل مقلد بجهالته ، واتفاق سواد الشيع كلها على الانكار والتشنيع على من يدعو إلى كتاب اللّه وسنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، بل إنك لتجد في حملة العمائم ، وسكنة الأثواب العباعب من لا ينكر على التلميذ المبتدىء أن يقرأ الكتب والصحف التي تطعن كبد الدين ، وتحاول هدم بنائه المتين ، وينكر أشد الانكار عليه قراءة كتاب أو صحيفة تدعوه إلى كتاب ربه وهدى نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويعد هذا الإنكار غيرة على الدين وخدمة له ! ! فأي بعد عنه أشد من هذا البعد ؟ وأي أثر للتقليد شر من هذا الأثر ؟ أما الاقتتال بين المسلمين بسبب الاختلاف : فأوله ما كان بين على ومعاية وكانت فئة الثاني هي الباغية ، واللّه يقول فيمن سبقهم ( وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ) ثم كان ما كان من حروب الخوارج ثم الشيعة . وآخرها الاقتتال بين المصريين والوهابيين ، واللّه عليم بالظالمين ومن أراد تمام العبرة في ذلك فليرجع إلى كتب التاريخ لا سيما تاريخ بغداد وحادثة خروج التتر التي كانت أول حادثة زلزلت سلطان المسلمين في الأرض ، ودمرت بلادهم تدميرا . فقد كان الخلاف بين الشافعية والحنفية من أسبابها وابن العلقمى الشيعي الوزير هو الذي دعاهم إلى بغداد سنة 656 فخربوها وقتلوا فيمن قتلو الشرفاء شيعة وغير شيعة ، ووبخه هولاكو على خيانته فمات غما . والفتن التي كانت بين أهل